المستقبل العربي
فجّرت ندوة عقدت مؤخرا في نادي الفيحاء قنبلتين من طراز الدعوة لتراجع الدولة الأردنية عن سياسة الأردنة، وما أنتجته من محاصصة جغرافية للمناصب الرئيسة في الدولة، والكشف عن أن الملك عبد الله فرض على الحكومة إدراج قضية فضيحة الكازينو على جدول أعمال الدورة الإستثنائية الحالية لمجلس النواب.
المتحدثان في الندوة المهندس نجاتي الشخشير، والدكتور ممدوح العبادي، اتفقا على امرين رئيسين، اولهما التمسك بالمواطنة، وأن الملك عبد الله الثاني هو الذي يقود عملية الإصلاح السياسي في الأردن.
الكلمة الأولى في الندوة كانت للمهندس نجاتي الشخشير، المرشح النيابي السابق، الذي خاض الإنتخابات مرتين، الأولى بشعار "كل الأردنيين اردنيون"، والثانية بشعار "اردنيون معا على طريق الإصلاح".
وقد فجر الشخشير في كلمته دعوة لرفض المحاصصة، والأردنة التي أعقبت حرب أيلول 1970، وقرار قمة الرباط لعام 1974، التي اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية، ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، وذلك لانتفاء مبررات الأردنة.. تشمل مؤسسات الدولة الأردنية، رافضا المحاصصة بين مختلف مكونات النسيج الوطني الأردني على قاعدة جغرافية، لأنه في هذه الحالة يصبح الأردن في حاجة إلى رفع عدد اعضاء مجلس النواب إلى خمسمائة نائب.
انتفاء أسباب الأردنة
وقد بدأ الشخشير كلمته بالإشارة إلى أن "المجتمع الأردني واجهه الكثير من التحديات ما بعد حرب (1967) مع العدو الصهيوني، وما نتج عنها من تغييرات في شرق الأردن بشكل خاص، والوطن العربي بشكل عام"، معتبرا أن "أهم هذه التحديات حرب أيلول عام (1970)، وقرارات مؤتمر القمة العربي بالرباط عام (1974)، مما دفع أجهزة الدولة الأردنية في حينه لاتخاذ قرارات استراتيجية لحماية النظام السياسي من هذه المتغيرات، باعتماد سياسة أردنة مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والحكومية والوظائف الحساسة بإعتباره الحل الأمثل لمواجهة هذه المتغيرات".
وقال الشخشير "لا بد من الوقوف وبشكل جدي أمام هذه السياسة وتقييمها وتقويمها، وأن تعاد دراسة هذه الإستراتيجية، بناءً على شكل وتركيبة النسيج الإجتماعي للأردن من خلال تفهم الواقع الديموغرافي وايجاد حلول لاستيعاب هذا النسيج ورسم سياسة واضحة تحدد مفهوم المواطنة والوحدة الوطنية بعيداً عن الأصول والمنابت، وإعطاء المواطنين كافة حقوقهم كما كفلها الدستور".
واتهم الشخشير قوى الشد العكسي بالعمل ضد التوجه الإصلاحي القائم على الحوار الوطني، واستغلال مواقعها السلطوية لتعميق التناقضات، تحت غطاء التوازن السكاني تارة، والحفاظ على القضية الفلسطينية وحق العودة تارة أخرى.
وقال الشخشير إن انتفاء مبررات الأردنة يتمثل في قرار فك الإرتباط بين ضفتي الأردن، لعام 1988، توقيع اتفاقية اوسلو، ومعاهدة وادي عربا، وإنشاء السلطة الفلسطينية.
وحين اعترض بعض الحضور على هذا الطرح، دافع الشخشير عما قاله بحقيقة وجود محاصصة تشمل توزيع المقاعد الوزارية إلى حصص توزع على التقسيمة الجغرافية للدولة، وكذلك مختلف التشكيلات الإدارية. وتساءل قائلا "لم ننكر وجود المحاصصة..؟!".
ولفت إلى أن أحدا لم يتحدث عن قائمة الوطن في الإنتخابات البرلمانية، حيث انحصر السجال والجدل في حصص المحافظات، ومختلف التشكيلات الإدارية.
واعترض الشخشير على قصر قائمة التمثيل النسبي على مستوى الوطن، في مخرجات لجنة الحوار الوطني على فقط خمسة عشر مقعدا برلمانيا من أصل مائة وثلاثون مقعدا. وقال إنه كان الأولى بلجنة الحوار الوطني أن تصارحنا بالقول إن الأردن غير جاهز لإعطاء الوطن حقه..!
محاور الحراك الشعبي
وقال الشخشير إن الحراك الشعبي في الأردن يتمحور ضمن ثلاثة محاور:
المحور الأول: رؤية جلالة الملك وتطلعاته الإصلاحية، والتي عبرعنها خلال العشر سنوات الماضية ضمن كتب التكليف السامي للحكومات المتعاقبة، وحث فيها على ضرورة البدء الفوري بعملية الإصلاح، معتبرا أن سقف مطالبات الملك الإصلاحية للسلطة التنفيذية تجاوز سقف مطالب الشارع الأردني.
المحور الثاني: الشارع الأردني، وقد إنقسم إلى طرفين:
الأول: يتمثل بالقوى الوطنية والنقابية وأحزاب المعارضة، وشريحة عريضة من الشباب الأردني، والتي عبّرت عن مطالبها بضرورة الإصلاح السياسي والإقتصادي والإجتماعي، وإطلاق الحريات العامة وتعديل القوانين الممهدة لذلك، وتعزيز المفاهيم الديمقراطية وتطبيق الدستور فيما يتعلق بالحقوق والواجبات، ومحاربة الفساد وأشكاله والقائمين عليه، والحد من تغول السلطة التنفيذية.
الثاني: إنبثق في مواجهة الفريق الأول وعبر عن نفسه بالموالاة، ويتمثل بمجموعة من أبناء الوطن لهم من مكتسباته القليل، اعتبروا مطالبات الإصلاح التي ينادي بها الطرف الأول تطاولاً على الدولة و مفاهيم الولاء و الإنتماء لها.
الثالث: وهو الأخطر، يتمثل في السلطة التنفيذية وما يتبعها من مؤسسات، فقد استطاع هذا المحور قراءة الشارع الأردني وحراكه، وسارع إلى القيام بمجموعة من الخطوات وطرحها كخطوات اصلاحية بعد أن افرغها من مضمونها، وكانت لجنة الحوار الوطني أحد مخرجات هذا المحور، واستطاعت من خلالها تقزيم مفهوم الإصلاح والحوار الوطني وحصره في مهام محددة، مثل اعداد قانون جديد لإنتخاب مجلس النواب وتعديل قانون الأحزاب، مع الأخذ بالإعتبار ما يسمى بخصوصية الأردن.
ورأى الشخشير أن الأصل في الحوار الوطني أن يحل اشكالية مفهوم المواطنة كما كفلها الدستور، وأن يؤخذ بعين الإعتبار إختيار الأطراف المتحاورة على أسس ديمغرافية، وأن تأخذ اللجنة الصيغة الشعبية الممثلة لكافة شرائح الشعب الأردني، صاحب المصلحة الحقيقية بالتغيير، وأن تتناول هذه اللجنة كافة القضايا التي تتعلق بالمواطن الأردني، لتوفر له الأمن السياسي والإقتصادي والإجتماعي، بالإضافة إلى التعليم والصحة، ووضع خطة استراتيجية لضمان الفصل بين السلطات الثلاث، وسن وتعديل القوانين اللازمة لذلك، بحيث تنهي اللجنة أعمالها بمصالحة وطنية قائمة على مبدأ قبول الآخر بما كفله الدستور وتعهد به جلالة الملك.
لجنة الحوار.. تشكيلتها أسقطت أهادفها
وأبدى الشخشير أن "طريقة تكليف وتعيين لجنة الحوار الوطني، وتحديد صلاحياتها، اسقطت نتائجها قبل أن تجتمع، بحيث جاءت مخرجات لجنة الحوار كما كان متوقعاً لها ومنها، مخيبة للآمال، حيث فشلت اللجنة في الخروج بقانون انتخاب يمثل مكونات المجتمع الأردني، وحافظت على مبدأ المحاصصة التابع لخصوصية الأردن، المعطل الحقيقي للسير بعملية الإصلاح الى الأمام، والتي ضحدنا مبررات استمرارها كنهج وإستراتيجية سابقاً، والمخالفة أيضاً لنصوص الدستور"..
هذا المبدأ أي مبدأ المحاصصة، إذا أخذنا فيه العامل الديمغرافي، فإننا لن نتوافق على مجلس نواب يقل عدده عن (500) نائب، ومن ناحية أخرى لن أعترض هنا على عدم كفاية الضوابط الضامنة لنزاهة الإنتخابات، ولكني لا أجد أي تفسير في القانون للخروج من مأزق الدوائر الوهمية، إلى مأزق القوائم الوهمية، حيث سيعجز أي مفهوم ديمقراطي عن تفسير فشل مرشح من الوصول إلى المجلس بقائمة ما، بالرغم من حصوله على أصوات أكثر من مرشح آخر بقائمة أخرى بنفس الدائرة الإنتخابية،
أما فيما يتعلق بقائمة الوطن والتي خصص لها (15) مقعداً، كان الأجدى بلجنة الحوار إلغاءها كلياً حين عجزت عن إيجاد صيغة بحيث تشكل فيها قائمة الوطن نصف عدد النواب، فالأصل أن يكون النائب نائباً للوطن، وإن لم نكن جاهزين لذلك، فإن الإنتظار أجدى لإعطاء الوطن حقه بالوقت المناسب،
أما فيما يتعلق بقانون الأحزاب، فالمأزق ليس بالقانون بحد ذاته، بل بالحقبة السابقة والتي ولدت لدى الشارع والشباب خصوصاً حالة من الفجوة والخوف من الإنتماء الحزبي، المشكلة بثقافتنا اتجاه الأحزاب ونظرتنا اليها، والتي أفرغت المفاهيم الحزبية من الأيديلوجيات والعقائد لتتحول هذه الأحزاب إلى شخصنة وجغرافيا تحت شعار التعددية الحزبية، والتي ما قبل الحوار الوطني كان عددها (17) حزباً، والآن هنالك العشرات منها إما تقدمت بطلب التأسيس، أو جاهزة لذلك، الأمر الذي سيجعل مبدأ تداول السلطة بناءً على الأغلبية النيابية مستحيلاً، لعدم وجود أحزاب إرتكاز قادرة على تحقيق الأغلبية.
المزيد